المقريزي
51
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
وفيما يصرف منه إلى أعطيات الأولياء والجنود ، ومن يستعان به لتحصين البيضة ، والذب عن الحريم ، وحج البيت ، وجهاد العدوّ ، وسدّ الثغور ، وأمن السبيل ، وحقن الدماء ، وإصلاح ذات البيت ، وأمير المؤمنين يسأل اللّه تعالى ، راغبا إليه ومتوكلا عليه أن يحسن عونه على ما حمله منه ، ويديم توفيقه بما أرضاه ، وإرشاده إلى أن يقضي عنه وله ، وقد نظر أمير المؤمنين فيما كان يجري عليه أمر جباية هذا الفيء في خلافة آبائه الراشدين صلوات اللّه عليهم ، فوجده على حسب ما كان يدرك من الغلات والثمار من كل سنة أوّلا أوّلا على مجاري شهور سني الشمس في النجوم التي يحل مال كل صنف منها فيها ، ووجد شهور السنة الشمسية تتأخر عن شهور السنة الهلالية أحد عشر يوما وربعا ، وزيادة عليه ، ويكون إدراك الغلات والثمار في كل سنة بحسب تأخرها ، فلا تزال السنون تمضي على ذلك سنة بعد سنة حتى تنقضي منها ثلاث وثلاثون سنة ، وتكون عدّة الأيام المتأخرة منها أيام سنة شمسية كاملة ، وهي ثلاثمائة وخمسة وستون يوما وربع يوم وزيادة عليه . فحينئذ يتهيأ بمشيئة اللّه تعالى وقدرته إدراك الغلات التي تجري عليها الضرائب ، والطسوق « 1 » في استقبال المحرّم من سني الأهلة ، ويجب مع ذلك إلغاء السنة الخارجة إذا كانت قد انقضت ، ونسبتها إلى السنة التي أدركت الغلات والثمار فيها ، لأنه وجد ذلك قد كان وقع في أيام أمير المؤمنين المتوكل على اللّه رحمة اللّه عليه عند انقضاء ثلاث وثلاثين سنة آخرتهنّ سنة إحدى وأربعين ومائتين ، فجرت المكاتبات والحسبانات ، وسائر الأعمال بعد ذلك سنة بعد سنة إلى أن مضت ثلاث وثلاثون سنة آخرتهنّ انقضاء سنة أربع وسبعين ومائتين ، ووجب إنشاء الكتب بإلغاء ذكر سنة أربع وسبعين ومائتين ، ونسبتها إلى سنة خمس وسبعين ومائتين ، فذهب ذلك على كتاب أمير المؤمنين المعتمد على اللّه ، وتأخر الأمر أربع سنين إلى أن أمر أمير المؤمنين المعتضد بالله رحمة اللّه عليه في سنة سبع وسبعين ومائتين بنقل خراج سنة ثمان وسبعين إلى سنة تسع وسبعين ومائتين . فجرى الأمر على ذلك إلى أن انقضت في هذا الوقت ثلاث وثلاثون سنة : أولاهنّ السنة التي كان يجب نقلها فيها ، وهي سنة خمس وسبعين ومائتين ، وآخرتهنّ انقضاء شهور خراج سنة سبع وثلاثمائة ، ووجب افتتاح خراج ما يجري على الضرائب والطسوق في أوّلها ، وإن من صواب التدبير واستقامة الأعمال ، واستعمال ما يخف على الرعية معاملتها به ، نقل سنة الخراج سنة سبع وثلاثمائة إلى سنة ثمان وثلاثمائة ، فرأى أمير المؤمنين لما يلزمه نفسه ، ويؤاخذها به من العناية بهذا الفيء ، وحياطة أسبابه ، وإجرائها مجاريها ، وسلوك سبيل آبائه الراشدين رحمة اللّه عليهم أجمعين فيها ، أن يكتب إليك ، وإلى سائر العمال في النواحي
--> ( 1 ) الطسوق : ج . طسق وهو مكيال . والمراد هنا ما يوضع من الخراج أو شبه ضريبة معلومة على الجريان .